السيد محمد تقي المدرسي

30

من هدى القرآن

فصاروا يعارضون الرسول ويتهمونه بالكهانة والجنون أو بالشعر والسحر ، ليس لأنهم وجدوا ما عنده باطلا ، وإنما نتيجة اتباع الهوى والطغيان وردود الفعل . أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ وأَمْ هنا ليست بمعنى التخيير وعدم التأكد ، بل هي تأكيد لما بعدها ، ولعل السبب أن الاحتمالات السابقة واضحة البطلان مما يبعث السامع إلى البحث عن الاحتمال الصحيح ، ويتساءل : إذن لماذا يعارض هؤلاء الرسالة ؟ ويأتي الجواب بصيغة احتمال ، ولكن السامع يتقبله رأسا ، فيكون كما لو أنه هو الذي اكتشف الحقيقة . ومن عموم هذه الآية نستفيد فكرة كثيرا ما يشير القرآن إليها ، وهي أن الاحتياط من العقل ، فينبغي للمؤمن ألَّا يستعجل في رفض فكرة يسمعها ، بل يفترض إمكان صحتها ، ثم يفكر فيها مَلِيًّا ، ويتخذ موقفه منها على ضوء تفكير موضوعي دقيق . وإن الذين رفضوا الرسالة لم يعتمدوا في رفضهم على العقل بل على الطغيان ، لأن العقل يقيد الشهوة ويقننها ، في حين أن الطغيان يسيِّرها ، بل ويجعلها هي القانون ، ولو أنهم اتبعوا هدى عقولهم لآمنوا بها ، لأنها تهدي إلى العقل كما يهدي العقل إليها . [ 33 ] ومن نتائج اتباعهم الهوى في تقييم الرسالة والنبي صلى الله عليه وآله اتهامهم له بأنه لا ينطق عن الله ، وأن ما عنده ليس رسالة من الرب ، إنما هي من صنيع فكرة . إن عقولهم تهدي إلى صحة ما جاء به ، ولكنهم لا يريدون إلزام أنفسهم بالمسؤولية ، لذلك تراهم يبحثون عن تبرير لعدم إيمانهم ، فقالوا : نحن نؤمن بعظمة الرسول وبعظمة ما جاء به ولكنه من عبقريته ، ولسنا ملزمين باتباع ما تفتقت عنه عبقريات البشر ، إنما نحن ملزمون باتباع وحي الله وحسب ، وهذا هو منهج المستشرقين وكثير من المسيحيين في تقييم الإسلام والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ [ 34 ] ويتحداهم القرآن بأنه إذا كان القرآن من عبقرية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فهو بشر مثلهم فهل يستطيعون صناعة كلام يشبه القرآن ؟ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ وتنكير كلمة حَدِيثٍ يدل على التبعيض ، فالتحدي إذن واقع على جزء من القرآن كالسورة أو الآية ، وتبقى هذه المعجزة الإلهية الخالدة تتحدى ضُلُّال البشر عبر الزمن وفي كل جيل من الإنس والجن ، يقول تعالى : قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] . [ 35 - 36 ] ومن الحديث المنطلق من واقع التشريع ينتقل السياق إلى الحديث من واقع الخلق ، فبعد أن أثبت أن الرسالة ليست من صنيع البشر فلا هي كهانة ولا جنون ولا شعر ولا